برنامج موضوع الغلاف، يذاع على شاشة قناة المجد الفضائية
مدونةٌ حَوَتْ دُررًا بعين الحُسنِ ملحوظة ... لذلك قلتُ تنبيهًا حقوق النشر محفوظة

Saturday, January 31, 2009

داخل المصارف


ذي إيكونوميست، 24 يناير 2009

ترجمة: علاء البشبيشي


أمام جموع هائلة، نِيفَت على مليوني نسمة غصَّ بها المرج القومي قبالة مبنى الكونغرس، اعترف أوباما في حفل تنصيبه بأن اقتصاد بلاده يمر بحالة من الضعف والوهن الشديدين؛ نتيجة لجشع ولا مسؤولية البعض، وللإخفاق الجماعي أيضا في اتخاذ الخيارات الصعبة.
ورغم مرارة هذه الخيارات التي تواجه العالم الآن على الصعيد المالي، تؤكد أسبوعية ذي إيكونوميست أن الوقت قد حان كي تختار الحكومات من بينها، فلم يعد هناك وقت للانتظار.
(ابتداء من اليوم، يجب علينا أن ننهض، وننفض عنا الغبار، ونبدأ العمل من جديد؛ لنعيد صنع أميركا).. هكذا أعلن أوباما من العاصمة واشنطن في حفل تنصيبه. لكن في الواقع، مهمة أوباما الأولى والعاجلة لا بد وأن تكون إعادة صياغة النظام المالي. ففي الوقت الذي كان السيد أوباما يتحدث فيه بالعاصمة واشنطن، كانت أسواق نيويورك تغرق تحت ضغط البنوك الخاسرة، رغم وعد فريقه الاقتصادي بخطة (تحسن الأوضاع).
لقد أظهرت هذه الأزمة خللا في الأسواق المالية والاقتصاد العالمي؛ فقد أدى التدفق الكبير لرؤوس الأموال في الدول المدينة مثل أميركا وبريطانيا، إلى تضخم سوق الأصول؛ الأمر الذي غذى عدم استقرار الأسواق المالية. وإصلاح ذلك سيستغرق جهدًا كبيرًا طيلة الثمانية عشر شهرًا القادمة.
ولأن جهود العام الماضي تكلفت مئات المليارات من الدولارات، ربما يخلص البعض إلى أن إنقاذ المصارف إنما هو حمق وتبذير. على كل حال لابد وأن يبدأ العمل الآن.

!أوباما.. ما الذي يتوقعه العالم؟


نيوستيتسمان، 19 - 24 يناير 2009

ترجمة: علاء البشبيشي


(مطلوبٌ من أوباما أن ينقذ الاقتصاد العالمي، وأن يحل أزمة الشرق الأوسط، وأن يصلح البيئة).. تركة ثقيلة ورثها الرئيس الجديد، حاولت مجلة "نيوستيتس مان" توقُّع خارطتها المستقبلية من خلال ملف خاص شارك في إخراجه كل من "أليك ماكجيليس"، و "باتريشيا ويليامز"، و "ويل هاتون"، و "سيجريد راوزينج"، و "بينجامين ماركوفيتش"، و "كاثرين بوتلر"، و "مارك ليناس".
كيفية تعامُل الرئيس الجديد مع إرث التعذيب الذي تركه بوش، ستكون أحد أهم الواجبات خلال فترته الرئاسية. وقد أعلن أوباما بوضوح رفضه لهذه الممارسات، إلا أن عليه إصدار إجراءات فورية لحظرها، مع الممارسات الأخرى القاسية والغير آدمية للمعتقلين. وفي هذا السياق لن يكون مجرد إغلاق معتقل جوانتانامو كافيًا، فقد تم التصويت لصالح أوباما على وعد بالتغيير (الكلي).
قبل الانتخابات الأمريكية كان سقف التوقعات مرتفعًا فيما يتعلق بأول رئيس أمريكي من أصل أفريقي، بأن الرجل الذي قضى جزءًا من طفولته في إندونيسيا، أكبر الدول الإسلامية من حيث عدد السكان، سيغير من سياسة أمريكا الخارجية، وفيما يتعلق بالشرق الأوسط سيُحدِث تغييرًا في السياسة الأمريكية بعكس ما كان عليه موقف إدارة بوش المؤيد لإسرائيل. لكن مع مرور الوقت بدأ يتضح أن هذه التوقعات بعيدة المنال.

الرئيس باراك أوباما


تايم، 2 فبراير 2009
ترجمة: علاء البشبيشي


"أنا (باراك حسين أوباما) أقسم أنني سأنفذ بأمانة مهمات منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وسأبذل ما بوسعي من أجل صيانة وحماية دستور الولايات المتحدة، والذود عنه".
كان هذا نص اليمين الدستوري الذي تلاه باراك أوباما في مستهل تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية نهاية الأسبوع المنصرف. ورغم أن هذا القسم لا يتعدى عدد كلماته 35 كلمة، رأت مجلة تايم الأمريكية الأسبوعية أنه كان "ساحرًا"، بل وصفته بأنه "أكثر ما أراح الرئيس الجديد"

وتقول المجلة: رجل يُدعى باراك حسين أوباما أصبح الآن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وبغض النظر عن أدائه داخل البيت الأبيض، سيبقى يمثل حدثًا فريدًا في أمتنا.
ليسجل التاريخ أن أوباما استهل رئاسته بـ "تصحيح" الخطأ الذي وقع فيه القاضي جون روبرتس، كبير قضاة المحكمة العليا، حينما خلط الترتيب التقليدي المتبع للقسم، الذي يبلغ عدد كلماته 35 كلمة، وأخطأ في وضع كلمة "بأمانة" في موقعها الصحيح. ثم أخطأ روبرتس للمرة الثانية، مما دفع أوباما إلى رفع حاجبيه مستغربًا.
إنها بداية مليئة بالحفر، وشيء من الكناية ترمز إلى أن إحدى مهام الرئيس الجديد ستكون "تصحيح" أخطاء (الرئيس البائد) جورج دبليو بوش.
وترى المجلة أن أوباما قد بدأ في نقض غزل بوش، عُروةً بعد عروة، وتغيير سياسات سلفه التي قادت البلاد إلى وضع مزرٍ على المستويين الداخلي والخارجي.
وقد لفت انتباه المجلة كثرة التعليقات السلبية التي أوردتها وسائل الإعلام على خلفية الخطأ الذي وقع فيه أوباما أثناء تأديته للقسم، وهي التعليقات التي وصفتها المجلة الأميركية بأنها (صبيانية)

وتردف المجلة: أوباما هو الذي أعلن عن تحطيمه لإحدى سياسات بوش الخارجية، حين قال: "إن القوة وحدها لن تكون قادرة على حمايتنا، ولن تخولنا للقيام بما نريد". كما انتقد "الاختيار الخاطئ بين أمننا ومبادئنا"، في إشارة إلى تعامل إدارة بوش القاسي مع نزلاء السجون، وكانت رسالته للعالم أن "بإمكاننا القيادة من جديد".
ورغم ذلك كله لم يتسم خطاب أوباما بالتحدي أو الغضب، ولم يبرز حتى وهج الاحتفال؛ بل كان مليئًا بالعزيمة والتصميم، ويعكس عقلية واقعية للغاية فيما يتعلق بالداخل والخارج.
من الجيد التفكير في أن عِظَم المشاكل التي تواجه الأمة ستكبح جماح الجدال الصبياني، إلا أن الخسة تبدو سمة بعض المنتقصين من شأن أوباما. ولم يكن عنوان وكالة درادج ريبورت، المختصة بالشئون المعلوماتية، (أوباما يُفسِد القسم) هو العنوان الدقيق الذي يليق باستقبال الرئيس الجديد.
يبدو أن الكثير من وسائل الإعلام لم تترفع بعدُ عن الأمور الصبيانية.

Monday, January 19, 2009

مذابح الأبرياء


فرانت لاين، 17 يناير 2009

ترجمة: علاء البشبيشي


قارن عمدة لندن السابق، كين ليفينجستون، ما يحدث لسكان غزة بما حدث ليهود وارسو من حصارٍ خلال الحرب العالمية الثانية، وهي المقارنة التي اختارتها مجلة فرانت لاين لتصدِّر بها موضوع غلافها الأخير الذي جاء تحت عنوان (مذابح الأبرياء)
وأشارت المجلة إلى أن "أهالي القطاع المحاصر كانوا يتطلعون بشغف إلى المجتمع الدولي ليمد إليهم يد العون"، لكن أنى لهذه المؤسسات الدولية أن تحمي الفلسطينيين في حين عجزت عن حماية منشآتها داخل غزة من القصف الإسرائيلي؟.. وما مدرسة الفاخورة منا ببعيد.
لكن هل يُستغرب من الآلة الحربية التي قصفت المساجد، وهدمت المنازل فوق رؤوس ساكنيها، وأحرقت أجساد الأطفال، أن تقصف مباني المؤسسات الدولية؟

وفي هذا تقول المجلة: في السادس من يناير الجاري قصفت إسرائيل مدرسة تديرها الأمم المتحدة، كان معظم من احتمى بها من النساء والأطفال، مما أسفر عن مقتل ما يربو على 46 شخصًا، وجرح 50 آخرين، جروح معظمهم خطيرة.
وقال جون جينج، مدير العمليات في غزة في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، في تصريح صحفي: إن القنبلة التي ضربت المدرسة الأممية كانت موجهة بدقة، مؤكدًا أن الأمم المتحدة أعطت الجيش الإسرائيلي إحداثيات دقيقة لأماكن تواجد المدارس التابعة للمنظمة الدولية، مضيفًا: "لم يكن هناك أي مكان آمن يستطيع المدنيون اللجوء إليه في غزة".
لقد فاقت أعداد القتلى في هذه الحرب أعداد الذين سقطوا خلال أربعة عقود كاملة من الصراع، وهذه الأرقام مرشحة للارتفاع بمجرد أن تضع الحرب أوزارها (ويتم انتشال باقي الجثث من تحت الأنقاض). أما المستشفيات القليلة في غزة فمضروبٌ عليها حصار وثيق، لا تستطيع من خلاله التعامل مع هذه المأساة، بل ذهبت المقاتلات الإسرائيلية إلى حد أبعد من ذلك؛ حينما استهدفت بشكل مباشر سيارات الإسعاف التي كانت تقل الجرحى.
وفي هذا تقول المفوضة العامة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( أونروا) كارين كونينج أبو زيد: إن "الحاجة إلى المساعدات لم تكن ملحة بهذا الشكل من قبل".
ما يحدث في غزة "وضع كارثي" على حد وصف المجلة، التي رأت أن الحرب لم تكن هي التي ابتدأت هذا الوضع، بل أكدت أن تاريخه يرجع إلى شهور قبلها، حيث أكد المتحدث باسم الأونروا أن وكالته لم تتمكن من إدخال المساعدات الطبية إلى القطاع لما يربو على عام قبل الحرب؛ بسبب الحصار الإسرائيلي الذي فرضته على غزة.
واستطردت المجلة لترصد ما أسمته بـ "الخروقات الهائلة" للقانون الدولي، لترسخ للمفهوم الذي بات شائعًا الآن؛ وهو أن المؤسسات الدولية لم تعد تسمن أو تغني من جوع

وتأكيدا على ذلك تضيف المجلة:
منذ الأسبوع الأول من يناير الجاري قال موفد الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية، ريتشارد فالك: إن الهجوم الإسرائيلي على غزة يمثل انتهاكًا صريحًا وكبيرًا للقانون الدولي الإنساني، بحسب ما حددته اتفاقيات جنيف.
وأشار الخبير الأمريكي البارز في القانون الدولي إلى أن إسرائيل تجاهلت المبادرات الأخيرة التي عرضتها حماس لاستعادة الهدنة بين الطرفين بعد انتهاء أجلها في 26 من ديسمبر المنصرم.
وبحسب "فالك"، فإن الغزو الإسرائيلي والمأساة الإنسانية التي خلفها، يمثلان تحديًا لتلك الدول التي اشتركت في هذه الجريمة، ولا زالت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في هذه الانتهاكات الإسرائيلية للمجتمع الدولي.
هذا الاشتراك في الجرائم الإسرائيلية - يضيف فالك - امتد ليشمل هذه الدول التي ساندت هذا العدوان بالعدة والعتاد. ولا شك في أن أمريكا تظل هي المزود الرئيس للدولة الصهيونية بالسلاح، إلا أن هناك دولا أخرى كالهند تعمل على ملء جعبة إسرائيل بالسلاح، ومساعدتها على نشر الإرهاب في المنطقة.
وفي نوفمبر الماضي، حيث كانت إسرائيل تتجهز لاجتياح غزة، قدِم وفد هندي رفيع المستوى إلى تل أبيب لإبرام عقد تسليح تقدر قيمته بالملايين مع الجانب الإسرائيلي. وليس خافيًا أن الموساد وتجارة السلاح الإسرائيلية يضعان رهانات كبرى على مثل هذه الصفقات التسليحية.
وبينما طالب الحزب الشيوعي الهندي، وغيره من الأحزاب اليسارية، حكومة الهند بقطع الروابط العسكرية مع إسرائيل في مطلع عدوانها على غزة، قدم الرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز نموذجًا لقادة العالم بطرده السفير الإسرائيلي من بلاده. بل قال في تصريح متلفز: إن رئيسي إسرائيل وأمريكا لا بد وأن يُساقا إلى محكمة جرائم الحرب الدولية، متسائلا: "إلى متى ستظل إسرائيل هي القاتل المأجور الذي يعمل لصالح الامبراطورية الأمريكية؟"

Wednesday, January 14, 2009

لماذا لا تستطيع إسرائيل تحقيق النصر؟


تايم، 19 يناير 2009

ترجمة: علاء البشبيشي


(لن تنتصر إسرائيل.. ولن تسقط المقاومة.. ولن تسقط القلاع أو تُخترق الحصون) حقيقة أجمع عليها عدد كبير من المحللين والمثقفين والمراقبين، من الشرق والغرب، بل ومن داخل الكيان الصهيوني نفسه، حتى أضحت لا تقبل مجالا للنقاش. أما الجيش الذي خُدِعنا به يومًا، وسُوِّقت لنا فكرة أنه لا يُقهر، بات الآن (كالبط في مرمى الصيد) على حد وصف أحد الكتّاب الإسرائيليين.
مجلة تايم الأمريكية لم تخرج على هذا الإجماع العام، بل أشارت إلى أن إسرائيل تدرك أن التخلص التام من حماس إما مستحيل وإما سيمتد لأسابيع، ومؤكدة أن القادة الإسرائيليين الآن في ورطة كبرى، ولسان حالهم : (هل إلى خروج من سبيل؟).
بينما تُطوِّق القوات الإسرائيلية غزة، يواجه القادة الإسرائيليون ورطة مؤلمة؛ فإلى أي مدى عليهم التقدم في هذه المتاهة المميتة من الأحياء الفقيرة ومخيمات اللاجئين، حيث ينتظرهم مسلحو حماس بالمنازل المفخخة والقناصين؟ ومع مرور كل يوم في هذه الحرب، تصبح المخاطرة أكبر والخسائر أكثر، والمكاسب أقل.
وفي هذه الحرب التي تشكلت عن طريق الصور التلفزيونية، تحتاج إسرائيل (لتحفظ ماء وجهها) إلى صورة استسلام موازية يظهر فيها قادة حماس وهم يخرجون زحفًا من الأنفاق تحت الأرض مرفوعي الأيدي مستسلمين. لكن يبدو أن صورة المدنيين الأربعين، الذين قُتِلوا بعدما احتمَوْا بمدرسة تابعة للأمم المتحدة شمال مدينة غزة، هي التي ستحتل الصدارة في هذه الحرب.
ويدرك القادة السياسيون والعسكريون الإسرائيليون أن استئصال شأفة حماس سيستغرق أسابيع، وربما يستحيل تحقيقه. والنتيجة الأكثر واقعية ربما لا تكون مرضية؛ وهي تتمثل في هدنة تُبقي حماس على قيد الحياة ولم يصبها سوى بعض الجروح، وقادرة في الوقت ذاته على استعادة عافيتها، وتعطي إسرائيل أمانًا مؤقتًا من الهجمات الصاروخية.
يبدو أن كلمة النصر قد مُحيت من القاموس الإسرائيلي بلا رجعة، بعد الهزائم المتكررة التي مُني بها جيش الاحتلال الصهيوني على عدة جبهات، وعلى يد قلة قليلة من المقاومين لا يملكون سوى بضعة أسلحة، معظمها محلي الصنع.
وتلفت المجلة الأنظار إلى أن التحدي الذي يواجه إسرائيل الآن لا يقتصر على ميدان المعركة، بل يمتد إلى الوضع الديموغرافي، وخارطة الوجود في قلب العالم العربي، فضلا عن مشاعر السخط المتنامية في المنطقة إزاء إسرائيل، والتي تجعل الأمر أكثر صعوبة على الحكومات العربية أن تنضم إلى إسرائيل.
لقد تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود باراك، بخوض الحرب حتى النهاية، لكن بعد 60 عامًا من الصراع، ربما يتساءل الإسرائيليون: متى ستأتي هذه النهاية؟
كما تواجه إسرائيل قنبلة سكانية موقوتة؛ فعلى الأرجح سيفوق أعداد العرب أعداد اليهود في بقعة الأرض الممتدة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، وهو المشهد الكارثي لكيان يُعرِّف نفسه بأنه دولة يهودية. لذلك على الإسرائيليين الاختيار بين العيش بجانب دولة فلسطينية مستقلة، أو مشاهدة اليهود وقد أصبحوا أقلية في دولتهم الخاصة.
كيف يمكنك الانتصار في حرب يؤمن الطرف الآخر فيها بأن الزمن يصب في مصلحته؟ وكيف يبدو الأمن الحقيق، في ظل جيران عدائيين؟ الإجابة على هذه الأسئلة لن تكون سهلة، كما هو الحال دائمًا في منطقة الشرق الأوسط.

حرب المائة عام


ذي إيكونوميست، 10 يناير 2009
ترجمة: علاء البشبيشي


هذه الحرب التي أغرقت غزة في بحر من الدم، لم تكن هي الأولى بل السابعة التي يشنها الاحتلال الصهيوني على فلسطين. ولا بد أن يُنظَر إليها في هذا السياق التاريخي لتتضح الصورة، وتستبين الحقائق. وليتأكد الجميع أن إسرائيل لديها استراتيجيات حربية لا حصر لها، بينما تفتقر إلى استراتيجية واحدة للسلام.
أسبوعية ذي إيكونوميست البريطانية أطلقت عليها حرب المائة عام، التي يرجع تاريخها لأوائل القرن الفائت، وتمتد لمستقبل تخشاه إسرائيل.
لحسن المقادير، قد تنتهي الحرب المدمرة بين إسرائيل وحماس قريبًا، لكن متى ستنتهي حرب المائة عام بين العرب واليهود في فلسطين؟ من الصعوبة بمكان تصديق أن مثل هذه التسوية سيتم التوصل إليها قريبًا.
يجب أن نتذكر أيضًا أن غزة ليست سوى بند واحد في سجل حافل بالتعاسة، نُقش على مدار سنوات؛ فالعرب واليهود يتحاربون ويتهادنون منذ 100 عام.
في عام 1909 تشكلت حركة هاشومر المسلحة (التي كانت تقاتل العرب في فلسطين)، تلا ذلك سلسلة من الحروب شهدتها أعوام 1948، 1956، 1967، 1982، 2006، وها هي الآن حرب 2009، مُزِجت كلها بالدم والنار.
حتى الفترات التي تخللت هذه الحروب لم يعمها السلام، بل كانت مليئة بالقنابل والغارات والانتفاضات والأفعال الوحشية. ولا يزال عرب فلسطين إلى الآن يتذكرون ثورتهم في ثلاثينيات القرن الفائت ضد الانتداب البريطاني والهجرة اليهودية من أوروبا، بعدها مذابح عام 1948.
هذه المجزرة التي جرت في غزة، والتي قُتل فيها40 من المدنيين، معظمهم من الأطفال، في قصف إسرائيلي واحد، ستصب المزيد من السم في بئر الكراهية (لإسرائيل).
المجلة تؤكد أنه مع كل صاروخ كانت إسرائيل تطلقه على المدنيين في غزة، كانت كراهيتها تشتعل في صدور أبناء المنطقة، وربما يصدق فيها قول القائل: (على أهلها جَنَتْ براقش).
وبحسب هذه التحليلات يبدو أن إسرائيل بدأت تحفر قبرها بيديها، وتدق أول مسمار في نعشها. خاصة وأن المعركة الآن اتسعت لتتعدى دائرة المقاومين في غزة، حتى تشمل كل المؤيدين لهذه القضية في العالم أجمع.
لم تفتأ تسيبي ليفني، وزيرة الخارجية الإسرائيلية، تذكرُ - طيلة الأيام الماضية- أن هدف إسرائيل الرئيس هو وقف إطلاق الصواريخ، وليس الإطاحة بحماس، إلا أنها في الوقت ذاته أكدت أنه لن يتحقق سلام، ولن تُقام دولة فلسطينية حرة، وحماس باقية في سدة الحكم. صحيح أن بقاء حماس في السلطة من شأنه عرقلة أي نتيجة يُتوَصل إليها في المفاوضات بين إسرائيل وعباس. لذلك فقد يروق للسيد عباس والرئيس المصري حسني مبارك أن تُهزم حماس.
لكن ذلك له حدوده، وهزيمة حماس ما هي إلا حلقة في سلسلة طويلة. وحتى إذا انتصرت إسرائيل في غزة، فإن مائة عام من الحروب تؤكد أن الفلسطينيين لا يمكن إسكاتهم بالقوة الوحشية.
ستبقى حماس، ومعها الخط العربي الذي يؤمن بأن إسرائيل لا مكان لها في منطقة الشرق الأوسط.

خطـة هجـوم مـن أجـل الســلام


نيوزويك، 13 يناير 2009


"بحسب المنطق القاسي في الشرق الأوسط، فإن الحرب هي شكل من أشكال الدبلوماسية".. حقيقة عبَّرت عنها مجلة نيوزويك الأمريكية في صدر موضوع غلافها الأخير، وكانت تقصد أن إسرائيل ما شنت حربها على قطاع غزة إلا لتنتزع مواقف سياسية في أي تهدئة قادمة. مما يؤكد أن صواريخ المقاومة لم تكن هي السبب المباشر وراء هذه الحرب، بل هي خطة مجهزة كانت ستتم ولو صمتت الصواريخ.
لكن أن تُفرضَ التسوية بدماء المئات من المدنيين، وتُبتَز المواقف بأشلاء الأطفال والنساء والشيوخ، لهو منطق غريب لا يوجد إلا في قاموس الاحتلال. فهل يُعقل أن يمحى من قاموس العرب كل المفردات، وتبقى جملة (السلام هو خيارنا الاستراتيجي)!
على كل حال، فرغم احتراق غزة، واستهداف حمامة السلام بنيران الصهاينة، ترى المجلة أن هناك حلا يلوح في الأفق، سيكون الرابح فيه بالطبع هو أكثر من أثبت صمودًا في ميدان المعركة، في عالم لا يعرف إلا لغة القوة.

معظم العالم الخارجي، يرى، بشكل مبرر، أن حملة غزة مجرد تفجر رجعي آخر للعنف بين العرب والإسرائيليين، سيؤدي من جديد إلى تقويض الجهود المبذولة للتوصل إلى سلام. لكن هذه الهجمات لم تكن مجرد ردة فعل، بل جاءت نتيجة لحسابات دقيقة.في الواقع، يقول مصدر إسرائيلي مطلع على طريقة تفكير أولمرت، طلب عدم الإفصاح عن هويته ليتمكن من التحدث بحرية: إن رئيس الوزراء يأمل في تحقيق هدفين من هجومه على غزة: الأول هو ببساطة، وضع حد للصواريخ التي تطلقها حماس على إسرائيل، وفرض إعادة العمل بوقف إطلاق النار الذي كان قائما حتى 19 ديسمبر. والهدف الثاني، بحسب المصدر نفسه، أكثر طموحًا - وخطورة – بكثير؛ فرئيس الوزراء يريد سحق حماس نهائيا؛ أولا من خلال الهجمات الجوية، ومن ثم من خلال قصف مدفعي وهجوم بري مدمريْن. الأمل من ذلك، مع أنه ضعيف، هو السماح في النهاية للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وحكومته التي تسيطر عليها حركة فتح، بإعادة بسط السلطة على غزة، مما يتيح العودة إلى مفاوضات سلام جدية في المستقبل.
بزوال حماس، يعتقد أولمرت أن هناك فرصة في أن تتمكن إسرائيل والفلسطينيون من تطبيق مسودة خطة السلام الشاملة التي توصل إليها مع عباس العام الماضي.هل هذه مجرد أوهام؟ على الأرجح نعم؛ فبعد الكثير من المحاولات الفاشلة، أصبحت عبارة "عملية السلام" خالية من المعنى. ومحفزات أولمرت لدخول غزة قد تكون مرتبطة بالسياسات الداخلية بقدر ارتباطها بالسياسة الخارجية. بعدما أصبح في موقع ضعيف ويواجه تهم فساد، يحاول إنقاذ إرثه الملطخ. لكن رغبة كل من أولمرت وعباس في التفاوض تعكس الواقع الصعب والمزعج بشأن العلاقة الإسرائيلية الفلسطينية. هناك سبيل واحد للتوصل إلى سلام، وكلا الفريقين يعرف ما هو، ومع ذلك، لم يكن أي منهما مستعدا لسلوكه. أعمال العنف والتفجيرات والتهديدات والتهديدات المضادة أصبحت مضنية وغير منطقية بشكل خاص؛ لأنها في الحقيقة تكتيك متقن للمماطلة.
وتشير المجلة إلى أن خطة أولمرت الحالية للتسوية تتطلب من الفلسطينيين القبول بتنازلات مجحفة في المسائل الأساسية المتعلقة بالأرض والأمن والقدس واللاجئين الفلسطينيين. وهو الأمر الذي لا تزال فصائل المقاومة ترفضه حتى الآن؛ باعتباره تفريطًا في ثوابت لا يملك أحد الحق في التنازل عنها.هناك أمر آخر يبدو أنه لا يزال مشوشًا في أذهان الكثيرين، وهو أن فلسطين – كل فلسطين – هي أرض عربية إسلامية، لا يجوز لأحد أن يُفرِّط في شبر واحد منها، مما يعني أن أي قبول بحدود الـ 67 مثلا، يجب أن يكون تحركًا تكتيكيًا، لا استراتيجية دائمة، وإلا فدماء الآلاف التي سالت على ثرى فلسطين في حرب 48 تكون قد ذهبت سدى.
الوضع يبدو متأزمًا بعد أن تغير السياق الاستراتيجي للمنطقة، إلى حد كبير، نحو الأسوأ؛ فحرب جورج بوش الابن على الإرهاب قوضت مصداقية أمريكا في الوطن العربي، فضلا عن ذلك، فإن قادة الدول العربية المقربة من الولايات المتحدة خسروا شرعيتهم، ويواجهون معارضة شعبية كبيرة في الداخل. في غضون ذلك، فإن قيام حكومة شيعية في بغداد، وهي الأولى منذ 500 عام، فضلا عن تنامي نفوذ إيران، زاد من حدة التوتر بين الشيعة والسنة في كل أنحاء الشرق الأوسط.
قد يكون الإسرائيليون الآن أكثر تقبلا من ذي قبل لهذا النوع من الضغوط. فالوقت لم يعد حليفهم، بعد أن أصبحت معدلات الإنجاب لدى العرب ترتفع بشكل ملحوظ. وبحسب معظم التقديرات، إذا أصرت إسرائيل على الحفاظ على سيطرتها على الضفة الغربية، فإن الأرض الممتدة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط ستكون ذات غالبية عربية في السنوات المقبلة، وبالتالي، فإن السبيل الوحيد لبقاء إسرائيل -دولة يهودية- هو السماح بإقامة دولة فلسطينية. ولا شك في أن المفاوضات ستكون طويلة وشاقة.

Sunday, January 11, 2009

غزة.. الصواب والخطأ


مجلة ذي إيكونوميست البريطانية، 3 يناير 2009

ترجمة: علاء البشبيشي


(ستواجه إسرائيل في غزة نفس النتيجة التي مُنيت بها في حرب لبنان عام 2006، كما ستجد صعوبة في إنهاء هذه الحرب، وفي سوق التبريرات لها). نتيجة توقعات أسبوعية ذي إيكونوميست البريطانية في معرض تناولها للتطورات الدامية التي تشهدها الساحة الفلسطينية، وبالتحديد قطاع غزة، هذه الأيام.
وقد وصفت المجلة ما يحدث في غزة بأنه "صدمة"، مؤكِدة أن "الصور التي تبثها شاشات التلفاز للمدنيين المصابين ينخلع لها الفؤاد"، لكنها في الوقت ذاته حاولت تبرير المجزرة الإسرائيلية بحق المدنيين في غزة، مُلقِية المسئولية فيما يحدث على عاتق صواريخ المقاومة، ومعربة عن تفهمها لما أسمته "الاستفزاز الذي تعرضت له إسرائيل"!
على إسرائيل ألا تندهش من سيل السخط الجارف الذي يموج به العالم الآن ضدها؛ وذلك لا يرجع فقط إلى أن الناس نادرًا ما يؤيدون الجانب الذي يمتلك طائرات الـ إف 16، ولكن لأن أي حرب ينبغي أن تجتاز 3 اختبارات لتنجح في تسويق نفسها. أول هذه الاختبارات: أن تستفرغ الدولة كل السبل المتاحة الأخرى في الدفاع عن نفسها، وثانيها: أن يتوافق حجم الهجوم مع الهدف الموجه ضده، والثالث: أن تكون أمامها فرصة معقولة لتحقيق أهدافها. وعلى صعيد الاختبارات الثلاثة سالفة الذكر تبقى الأرضية الإسرائيلية متأرجحة بصورة أكبر مما تعترف به.
صحيح أن إسرائيل تواجه إطلاق الصواريخ من قطاع غزة منذ فترة طويلة، لكن كان بإمكانها إيقاف هذه الصواريخ بوسيلة أخرى (غير القصف). وليس صحيحًا أن إسرائيل تسعى فقط لتهدئة الأجواء بمحاذاة حدودها، بل هي تحاول أيضًا تقويض سيطرة حماس؛ بإحكام حصار اقتصادي خانق على غزة، في الوقت الذي تعزز فيه اقتصاد الضفة الغربية، التي يُسيطر عليها علمانيو حركة فتح القابلون للانحناء.
حتى في أثناء الهدنة المنهارة كانت إسرائيل تمنع كل شيء من الدخول إلى قطاع غزة، اللهم إلا بعض المساعدات الإنسانية الهزيلة. لذلك إذا ما تعللت إسرائيل بأنه تم استفزازها، فبإمكان حماس هي الأخرى أن تقول إنها استُفزت. أما إذا قررت إسرائيل إنهاء الحصار، فبالإمكان أن تقبل حماس بتجديد الهدنة. بل الواقع الذي يُستنبَط من دوافع الأخيرة يقول إن حماس استأنفت إطلاق النار لتُجِبر إسرائيل في الدخول إلى هدنة جديدة وفق شروط تضمن فتح الحدود.
لكن هذه الهدنة بحاجة إلى وسيط، والسيد أوباما لم يتبوأ مقعد الرئاسة بعد، أما الرئيس بوش فيقف عاجزًا عن فعل أي شيء، كحاله عام 2006 عندما انتظر ضربة إسرائيل القاضية (لحزب الله)، لكنها لن تأتي أبدًا.
وبحسب المجلة فقد فشلت إسرائيل في تسويق عدوانها على قطاع غزة، رغم الحملة الدبلوماسية الواسعة التي استبقت بها التحرك العسكري، وخير دليل على ذلك هذا السيل من الإدانات الذي انهال على إسرائيل من كل حدب وصوب.
وترى المجلة أن المفصل الأكثر أهمية في هذا الصراع - على الأقل في المرحلة الراهنة- هو المعابر، التي لن تتم أي تسوية مستقبلية مع حركة حماس بدون فتحها. ولأن حماس، باعتراف كثيرين ومنهم الأسبوعية البريطانية، عصِيَّة على الهزيمة، فلا بد من إيجاد حلِّ لا تفرضه طائرات الـ إف 16، ولا يأتي على متن دبابات الميركافا الصهيونية.
هاهي الأرقام تتحدث عن نفسها؛ ففي الأيام الثلاثة الأُول قُتِل 350 فلسطينيًا مقابل 4 إسرائيليين. وهؤلاء الفلسطينيون الذين تقصفهم إسرائيل اليوم من المفترض أن يكونوا جيرانها في المستقبل.
هل نسيت إسرائيل بهذه السرعة الدرس الذي تلقته في حرب لبنان؟ هي تحاول الآن تعويض خسارتها ضد حزب الله في الماضي بتلك الحملة التي تشنها ضد حماس الآن. ومع تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة، تهتم إسرائيل بتذكير أعدائها بأن الدولة اليهودية لازالت قادرة على خوض الحروب والانتصار فيها.
ولكي تجلس حماس على الطاولة، فإن إطلاق النار سيتطلب وقفًا للحصار الإسرائيلي، وهذا سيكون أمرًا جيدًا في حد ذاته، لما سيشكله من تخفيف للمعاناة عن كاهل الشعب الفلسطيني، وإزالة أحد الأسباب التي تسوقها حماس من أجل استمرارها في القتال.
وبعد ذلك سيكون على أوباما لملمة ما تبقى من دبلوماسية في الشرق الأوسط.
ولما كانت حماس عَصِيَّة على الإبادة، فمن الضروري إيجاد طريقة تدفعها لتغيير سياساتها، ولن تكون القنابل وحدها قادرة على فعل ذلك.

الحرب على غزة


مجلة تايم الأمريكية، 31 ديسمبر 2008 - 12 يناير 2009

ترجمة: علاء البشبيشي


بعد شن إسرائيل حربها على غزة، والتزام أوباما الصمت حيال ذلك، ما هو موقف الإدارة الأمريكية الجديدة، في وقت ارتفع فيه سقف المخاطر؟! وما هي الأهداف التي ترمي إليها إسرائيل من وراء ذلك؟ تساؤلان طرحتهما مجلة تايم الأمريكية، التي وقفت بالتأكيد، وكعادتها إلى جانب إسرائيل، محمِّلة الفلسطينيين – الذين يموتون – مسئولية الحرب التي اشتعلت ولا يدري أحد متى ستخمد جذوتها.
في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف من صباح يوم السابع والعشرين من ديسمبر الماضي، ملأ صوت دوي سماء البحر المتوسط اللازوردية، كان ذلك صوت القنابل والصواريخ الإسرائيلية تدك قطاع غزة. تسلق العديد من الإسرائيليين التلال الخضراء المنخفضة خارج سديروت، وابتهجوا حينما شاهدوا أعمدة الدخان تتصاعد من قطاع غزة، بعدما قصفته 64 طائرة حربية إسرائيلية، مرة تلو الأخرى. لكن تحت الدخان الأسود تبين أن إسرائيل كانت تقصف المدنيين، وليس فقط رجال حماس.
وبحلول الثلاثين من نفس الشهر كان عدد القتلى في صفوف الفلسطينيين ارتفع إلى 375، بينما جُرح 1500 آخرون، بينهم 62 على الأقل من المدنيين، بحسب إحصائيات الأمم المتحدة.
هذا الميل في موازين القوى قاد بالطبع إلى اتهامات وُجِّهت لإسرائيل باعتبارها قد "أسرفت في القتل"، إلا أن إدارة الرئيس بوش ألقت باللائمة على حماس، رغم توجيه باقي زعماء العالم أصابع اللوم باتجاه إسرائيل، بمن فيهم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي وبَّخها على خلفية ردها "الغير متكافئ".
وبشكل يستدعي مزيدًا من النقاش، ظل الرئيس المنتخب الجديد، باراك أوباما، صامتًا لم ينبس ببنت شفة، تعليقًا على الحرب الدائرة، واكتفى المتحدث باسمه بالاستشهاد بالمبدأ القائل: لا يمكن أن يكون هناك رئيسان في نفس الوقت".
ومن المرجح أن تتصاعد لهجة الإدانة بالتناسب مع حجم الصراع، في حرب وصفها أحد كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي بقوله: "ستكون حرب الندامة". فأول قواعد إطلاق الحملات العسكرية هو أن تعرف كيف ستنهيها، وإسرائيل تنقصها الرؤية الواضحة لكيفية الخروج من غزة.
إذن إسرائيل لا تعرف كيف ستخرج من المستنقع الذي أوقعت نفسها فيه. ويتضح ذلك جليًا بعد قراءة سريعة للنتائج الأولية التي أسفر عنها الاجتياح البري لقطاع غزة، بعدما سقط جنود الاحتلال بين قتيل وجريح، وربما أسير.
وتُكمِل المجلة لتستعرض الأهداف التي تعهد بها أولمرت قبل ذهابه إلى تلك الحرب، وكيف أنها رغم تواضع سقفها، إلا أنه من الصعوبة بمكان تحقيقها، مما ينذر بضربة قاصمة هذه المرة لأولمرت الذي يبدو أنه سيخرج من رئاسة الوزراء بلا عودة، وربما لوزيرة الخارجية ليفني التي يتوقع لها الكثيرون مستقبلا باهرًا في قيادة الدولة اليهودية.
وفي محاولة للهروب من الوصمة التي خرج بها من حربه مع حزب الله في لبنان، أعلن إيهود أولمرت أهدافًا متواضعة هذه المرة: لم يتعهد بالإطاحة بحماس، أو حتى وقفًا دائمًا لإطلاق الصواريخ من غزة. وهما الهدفان اللذان يتطلبان إعادة احتلال إسرائيل للقطاع لفترة طويلة، الأمر الذي يمثل مخاطرة محتملة قد تؤدي إلى خسائر فادحة.
بدلا من ذلك يأمل أولمرت أن ينجح استعراضه العسكري الكبير في إقناع حماس بوقف تكديس الصواريخ طويلة المدى، والقبول بشروط وقف إطلاق نار جديد، يتضمن إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي أُسر في عام 2006.
لكن حتى هذه الأهداف المتواضعة سيكون من الصعوبة بمكان تحقيقها؛ فبالرغم من الحصار الذي استمر 18 شهرًا على قطاع غزة، أظهرت حماس مهارة كبيرة، ونجحت في إدخال صواريخ إلى القطاع.
ورغم ورود تقارير تفيد بأن إسرائيل تعد لهدنة ما، فمن المشكوك فيه أن يوافق الطرفان على عقدها قبل أن يوقع أحدهما أضرارًا في صفوف غريمه. إلا أن أحد قادة حماس البارزين أخبر مجلة تايم عبر الهاتف من غزة بأن شروط الحركة في غاية البساطة: "إذا ما أوقفت إسرائيل غاراتها على غزة، ورفعت حظرها المفروض على المعابر، سنذهب إلى عقد تهدئة فورية".

Sunday, January 4, 2009

إلى أين نحن ذاهبون؟


بروسبكت، ديسمبر 2008

ترجمة: علاء البشبيشي


إلى أين نحن ذاهبون؟ تساؤل طرحته مجلة بروسبكت، حول الوضع المتدهور الذي وصل إليه الاقتصاد العالمي، متوقعة أن يقود ذلك العالم إلى "القومية الأنانية"، على حد وصفها.
والمجلة إذ تؤكد على ضرورة أن يعيد العالم التفكير في سياساته المالية التي أدت لهذا الانهيار العالمي، تشير بأصبع الاتهام إلى "الفائدة" التي اعتبرتها "فشلا أخلاقيًا" أثمر الوضع الراهن.
ملكت الأسواق زمام الأمور طيلة ثلاثين عامًا، لكن النهاية كانت مؤلمة. وربما أدى ذلك لتبني القومية الأنانية.
أي فشل عظيم لابد وأن يجبرنا على إعادة التفكير. والكارثة الاقتصادية الراهنة هي فشل لنظام السوق. وقد صدق (المستثمر الأسطوري) جورج سوروس حين قال: " الأزمة المالية الحالية لم تنتج عن صدمة خارجية، بل كان منشأَها النظامُ نفسه. وكانت الولايات المتحدة موطنها الأصلي. ولأن أميركا قلب النظام المالي العالمي، فقد كانت الأزمة عالمية، وهي بحق كارثة العولمة.
هناك ثلاثة أوجه من الفشل؛ أولها دستوري، وثانيها عقلي، كما تمثل هذه الأزمة فشلا أخلاقيًا، ذلك أن النظام المالي الحالي يقوم على "الفائدة"، وعبادة الربح الشخصي، الذي هو لب الفشل الأخلاقي. ونتيجة لذلك أعطيت الكفاية الاقتصادية، المتمثلة في وسائل النمو، الأولوية القصوى في تفكيرنا وسياساتنا.

قصة السلطة


نيوزويك، 30 ديسمبر 2008


يشكل مطلع العام 2009، وهي السنة الأخيرة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، محطة مناسبة للنظر في طبيعة السلطة، وصاحبها؛ لأنه يجري تنظيم العالم من جديد وبطرق كثيرة، في ظل صعود الباقين (كما أسماه فريد زكريا)، و هم الهند والصين والبرازيل.
مجلة نيوزويك الأمريكية أدلت بدلوها في هذا الطرح، وقدمت قائمة عن الأشخاص الأقوى سلطة، ممن سيكونون موجودين في الحقبة التي سيحكم فيها أوباما، لم تسردها سردًا في موضوع غلافها، لكنها أشارت إليها إجمالا.
إنها لائحة عشوائية، لكن خياراتها مدروسة جيدا، ويشكل كل واحد منها، في رأينا، خيطا في السجادة العالمية الجديدة. بعض الأسماء "مفاجئ جدا" وبعضها الآخر ليس كذلك. ولعل الأهم هو أن كل واحد منها ينجح في اختبار السلطة بحسب التعريف الذي وضعناه له للتو: إنهم رجال ونساء يعملون على جعل الآخرين ينزلون عند رغبتهم أو يسعون إلى إعادة ترتيب الحقيقة بطرق يعتبرونها أكثر ملاءمة. إنهم يتولون زمام القيادة أو يسعون إلى التحكم. وهناك، بطبيعة الحال، أكثر من مجرد تداخل صغير بين الأمرين"؛ فخصائص كل منهما ليست حصرية. (تضم اللائحة أيضا من يستحقون الشجب - أسامة بن لادن هو أحد الأمثلة - وفي ذلك إقرار بأن الشر يمكن أن يؤثر فينا أيضا).
لا نفعل هذا بهدف وضع قائمة محض أمريكية، أو تحديد نخبة بالاستناد إلى الثروة أو الطبقة الاجتماعية أو الشهادات التعليمية. فالشخصيات في هذا العدد عالمية، وقد اخترناها على أساس الكفاءة والأهلية. صحيح أن أسماء كثيرة في اللائحة هي لأشخاص ميسورين ويتحركون فيما يمكن وصفها بالدوائر الرفيعة، وارتادوا مدارس ذائعة الصيت، لكن عددا كبيرا منهم بدأ حياته مغمورا (انظر على سبيل المثال رئيس الولايات المتحدة الـ44)، وارتقوا إلى مراكز مرموقة من خلال مزيج من العزم والحظ الجيد. أحد الوعود التي تحملها هذه البلاد بشكل خاص هو أن من يعملون بجهد يحظون بفرصة للازدهار"، وهذا الوعد، إلى جانب المبدأ القائل بأن كل الناس خُلقوا سواسية، هو في قلب المشروع الوطني.
وتؤيد المجلة الرأي القائل: إن التحول من بوش إلى أوباما، أي من سليل إحدى أنبل العائلات في أمريكا إلى ثمرة زواج قصير الأمد بين شابة من كنساس وأكاديمي من كينيا لم ير ابنه إلا مرة واحدة، كان مدهشا بكل المقاييس.
هذا التحوُّل ترى المجلة أن أوباما يستحقه عن جدارة، ورغم ذلك تتوقع أن تضمحل سلطته ذات يوم، كما حدث لسابقيه، فأبسط فلسفات السلطة، أنها لو دامت لغيرك ما آلت إليك.

لقد شهدت السلطة السياسية في أمريكا تحولا جديدا في القرن الحادي والعشرين؛ فالطاقة السياسية في البلاد تستخدمها مجموعة أكثر شبابا وتنوعا مما عرفناه في العصور السابقة. لا يعني هذا أن الألفية ملك لهذه المجموعة، لكنه يعني أن وجه السلطة يتغير.
العامل الجديد الآخر في لعبة السلطة العالمية عام 2009 هو أوباما نفسه؛ فهذا الرجل واسع الاطلاع الذي يتمتع بالبراعة في المجال التكنولوجي وبالدهاء السياسي يدخل البيت الأبيض في أوقات صعبة، إنما مع توقعات كبيرة. وسوف يخوض معركة متقاربة بين النجاح والفشل.
إنه رجل صاحب رؤية تراجيدية عن العالم، يعرف أنه في حين أن التقدم ممكن، فإن الكمال ليس ممكنا، ويبدو أنه يرتقي إلى المنصب مع إدراكه لحدود السياسة وطبيعة السلطة الزائلة.
لكن الحقيقة أيضا هي أنه ذات يوم، سوف تضمحل سلطة أوباما، وكذلك السلطة التي يمارسها الأشخاص الآخرون الواردة أسماؤهم على لائحتنا. لكن ما يفعلونه بهذه السلطة سوف يحدد كيف ستُروى قصتهم.

السِّلم الأفغاني


بيس وورك، ديسمبر 2008- يناير 2009

ترجمة: علاء البشبيشي


تحت عنوان: (من الأمل إلى الخوف)، أعدت اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان في أفغانستان تقريرًا كشفت فيه عن تزايد أعداد القتلى في صفوف المدنيين الأفغان جراء عمليات القصف التي يقوم بها الاحتلال؛ الأمر الذي أشعل الغضب الشعبي في البلاد، وأكد على ضرورة إنهاء هذا الاحتلال.
مجلة "بيس وورك"، المتخصصة في العمل التطوعي، ونشر السلم، طرحت مجموعة اقتراحات تساعد على انتهاء الاحتلال في أفغانستان، تصلح للتطبيق على المستويين الفردي والجماعي.
من الواجب علينا الآن أن نضع حدًا للعمليات العسكرية العشوائية في أفغانستان، والتي اعتبرها الرئيس المنتخب باراك أوباما خطأ "الحرب الجيدة". وهي بالفعل ليست كما قال؛ فالوضع في أفغانستان لا يتحسن، ويرجع ذلك باختصار إلى التدخل العسكري الأجنبي في شئون البلاد الداخلية.
وهذه قائمة ببعض المقترحات، على المستوى الفردي والجماعي، قد تسهم في إنهاء احتلال الولايات المتحدة والناتو لأفغانستان:-
· التثقيف الشخصي، وفهم الواقع على الأرض جيدًا في أفغانستان هو الخطوة الأولى في طريق التحرير، وهناك العديد من المصادر التي يمكن استقاء المعلومات منها في هذا الإطار، سواء كانت مطبوعة أو الكترونية منشورة على شبكة الانترنت.

· احتضن نقاشًا مع زملائك؛ فمن الأهمية بمكان أن تخبر الآخرين، ولتبدأ بمناقشة الأقرب إليك حول التهديد الذي يمثله زيادة عدد القوات، والعمليات التي يقومون بها في أفغانستان.

· اعمل على صياغة موقف من احتلال أمريكا والناتو لأفغانستان، الأمر الذي من شأنه توجيه جهود المنظمة التي تعمل معها على مدار الشهور والسنوات القادمة.

· أنشئ منتدى عاما في أفغانستان، فكثيرون منا قاموا بعقد مؤتمرات صحفية، ونظموا مسيرات، وقدموا التماسات، ودشنوا مجموعات على موقع فيس بوك، وأقاموا منتديات تعارض الحرب في العراق، وقد حان الوقت للقيام بجهود مماثلة من أجل أفغانستان.

· اجعل أفغانستان جزءًا من عملك، فإذا كنتَ مدعوًا لإلقاء كلمة في أحد الفعاليات، أو كنتَ تكتب مقالا، أو تقود ورشة عمل، فبإمكانك إدراج أفغانستان ضمن خارطة نقاشك.

· ساعد في إيصال الصوت الأفغاني، الذي يطالب برحيل القوات الأمريكية.

· تضامن مع المؤسسات الأفغانية العاملة في مجال حقوق الإنسان ونشر السِّلم، وحقوق المرأة، والتنمية الاقتصادية. حدد أحد الهيئات أو الشخصيات العاملة في هذا المجال ممن تثق فيهم واسألهم عن الدور الذي يمكنك القيام به للمساعدة.

· شارك مع المتطوعين ضد الحرب، وادعم المتضررين منها نفسيًا وجسديًا.

Tuesday, December 30, 2008

حلٌّ بـ 4,000,000,000,000 دولار


نيوزويك، 23 ديسمبر 2008


"حتى تريليونات الدولارات التي أُنفِقت إلى الآن لا تبطِّئ الانهيار السريع للاقتصاد العالمي. الحل يكمن في إنفاق تريليونات إضافية وبصورة سريعة".. حقيقة مُرَّة رصدتها مجلة نيوزويك، في معرض حديثها عن جهود الإنقاذ المالي، التي بات واضحًا بشكل مخيف أنها غير مجدية على الإطلاق.ورغم عمل المسؤولين المنهكين على مدار الساعة في عدد من القارات، يبدو أن العلاجات التي توصلوا إليها لا زالت غير شافية.نحن على شفير كارثة تفوق بكثير انهيار النظام المصرفي وتفاقم الركود العالمي، وقد تؤدي إلى نزاعات حادة وعدم استقرار سياسي. رِدة الفعل المطلوبة هي خطة إنقاذ عالمية أشمل وأكبر مما رأيناه حتى الآن، تجعل الحكومات تستبق العدوى بدلا من أن تكون دائما متخلفة عنها، نحتاج باختصار إلى خطة ضخمة وواسعة النطاق بما يكفي لإعادة ترسيخ الثقة.لا يمكن لأحد أن يتهم الحكومات بأنها تتلكأ. في الولايات المتحدة، أعد بن برنانكي، وهانك بولسون سلسلة من إجراءات الإنقاذ تخطت الـ12خطة حتى الآن هذا العام، بدءا من خطتي إنقاذ شركتي "فاني ماي" و"فريدي ماك" البالغة كلفتهما 200 مليار دولار، وصولا إلى ضمان القروض بين البنوك بقيمة 1.4 تريليون دولار. لكن هذه هي المشكلة بالتحديد. وتبعا للطريقة التي تجمع بها هذه الإجراءات، فإن المجموع يصل إلى نحو ثمانية تريليونات دولار، وهو رقم يشكل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي. ووفقا لباري ريتهولتز، مؤلف كتاب (بلد خطط الإنقاذ) الذي سيصدر قريبا، فإن هذا المجموع يفوق مجمل المشاريع الفيدرالية الأساسية في الولايات المتحدة خلال القرن الماضي، بما في ذلك غزو العراق والخطة الاقتصادية الجديدة وخطة مارشال لإنقاذ أوروبا بعد الحرب. في الواقع، إنه يتخطى المجموع الذي أنفقته الولايات المتحدة على الحرب العالمية الثانية، أي 3.6 تريليون بحسب قيمة الدولار الحالية.الجهود الأوروبية المشتركة كانت جريئة بالقدر نفسه. وبحسب دراسة جديدة أجرتها شركة "إندبندنت ستراتيجي" في لندن، فإن مجموع ما أنفقته الاقتصادات الأوروبية التسعة الأهم على عدة خطوات تهدف فقط إلى دعم البنوك المتزعزعة بلغ 3.36 تريليون دولار، مقارنة بـ3.35 تريليون دولار في الولايات المتحدة. وفي حين أن الخطة التحفيزية التي قدمتها إدارة بوش في شهر مارس وصلت قيمتها إلى 1 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، اعتمدت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها من البلدان الأوروبية خططا تحفيزية أكبر نسبيا. وقامت معظم البنوك المركزية في العالم بتخفيض معدلات الفائدة بسرعة وإلى حد كبير، لدرجة أن البنوك لم تعد قادرة على استعمال هذا السلاح التقليدي لتحفيز اقتصادات بلادها.وترى المجلة أن المزيد من المحاولات الجزئية، لن يكون مجديا لإنقاذ الوضع، وأن عشرات المليارات من الدولارات التي تخصصها السلطات الأمريكية والأوروبية لشركات صنع السيارات لن تسمن أو تغني من جوع، لأن الخبراء يقولون: إن شركات تصنيع السيارات في ديترويت بصورة خاصة تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات!الوضع الاقتصادي يزداد سوءًا على سوء؛ فصعوبة الحصول على قروض تُبطئ النمو، مما يزيد من معدل البطالة ويحد من ثقة المستهلكين والمستثمرين، وكل هذا بدوره يجعل البنوك تتوخى الحذر، وتفرض شروطا أكثر صعوبة قبل منح القروض. في هذه الدوامة المتشابكة التي تزداد هبوطا، تشير كل البيانات إلى أن الأزمة تتفاقم بوتيرة غير مسبوقة.يبدو الآن أن موسم عيد الميلاد سيكون الأسوأ منذ عام 1991 بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، الذي ينكمش بنسبة سنوية تقارب الـ3 بالمائة. وصندوق النقد الدولي يستمر في تخفيض توقعاته للاقتصاد العالمي، وهو يتوقع الآن أن يشهد عام 2009 نموا بنسبة 2.2 بالمائة، بعدما كان يتعدى الـ5 بالمائة خلال السنوات الأربع الماضية، وألا تشهد البلدان الغنية أي نمو، وأن تنمو الأسواق النامية - بما فيها الصين - بوتيرة أبطأ بكثير من ذي قبل. وفيما يتعلق بالاقتصاد العالمي، يرى معظم الخبراء أن نموًا عالميا بنسبة تقل عن 2 بالمائة يشكل انكماشا عالميا؛ لأن البلدان الفقيرة بحاجة إلى بعض النمو لاستحداث الوظائف لمواطنيها الذين تتزايد أعدادهم. وقد ضم البنك الدولي صوته إلى أصوات الذين يتوقعون حصول ركود عالمي، متوقعًا ألا تتجاوز نسبة النمو 1 بالمائة عام 2009، وأن تشهد البلدان النامية أكبر انكماش لها منذ الركود الكبير.إحدى المشاكل الكبرى التي تعانيها الأسواق العالمية الآن هي عدم معرفة أي شخص المدى الذي ستقودنا إليه الأزمة الراهنة. هل ستكون النتيجة سيطرة الحكومة على الأسواق، واعتماد نظام رأسمالي حكومي كما في الصين بدلا من نظام أسواق حرة على الطراز الأمريكي (كما كانت الأسواق قبل عام على الأقل)؟. هل سيقتصر النظام المالي بكامله تقريبا على بنوك تجارية ضخمة تتجنب المخاطر؟ أو هل سيبقى هناك مكان لمؤسسات مستعدة للمخاطرة بتمويل الابتكارات العظيمة في المستقبل؟ وعندما يهدأ الوضع، هل سيكون هناك سلطة أو هيئة تنظيمية مالية عالمية جديدة؟.في ظروف عادية، قد يكفي ترك السوق لتعمل وحدها على تسوية هذه المسائل. لكننا لا نشهد أوقاتا عادية. الغموض هو عدو الاستقرار والنمو. والحكومات -شئنا أم أبينا- هي التي تقود العملية.

قضية إنقاذ ديترويت


تايم، 15 ديسمبر 2008

ترجمة: علاء البشبيشي

"الشعب الأميركي هو من جعل شركة فورد الدولية لتصنيع السيارات تصل إلى ما وصلت إليه الآن".. تصريح لـ هنري فورد، مؤسس شركة فورد لصناعة السيارات، أدلى به في 11 فبراير 1932. استهلت به مجلة تايم الأمريكية موضوع غلافها الأخير، والذي خصصته للحديث عن خطة إنقاذ صناعة السيارات في ديترويت، بعدما اعتبر المرشح الجديد باراك أوباما أن إفلاس "الشركات الكبرى الثلاث" (جنرال موتورز- كرايسلر – فورد)، التي تتخذ من ديترويت مقرا لها، سيكون له وقع "مدمر" على الاقتصاد.
انخفضت مبيعات السيارات لأكثر من 30% خلال شهر أكتوبر الماضي، وهو تدهور لم تسلم منه حتى شركة تويوتا العالمية. أما ديترويت فتحتاج إلى 34 مليار دولار لتحمي 3 ملايين موظف من التشرد، وتجارة تساوي 300 مليار دولار من الانهيار.
إنا لما وصل إليه حال أمراء السيارات في بلادنا لمحزونون؛ فقد امتلكنا يومًا السيارات التي صنعوها، من الـ دودج آريس، و ميركوري مونتيري، وحتى الـ تشيفي تشيف، أما اليوم فتواجه تلك الصناعة ضربة قد تصيبها في مقتل.
وتواجه شركة جنرال موتورز انخفاضا ملحوظًًا في نشاطاتها؛ نظرًا لإحجام الزبائن عن التعامل مع شركة أضحت على أبواب الإفلاس، لذلك طالبت من الكونجرس الأميركي مساعدة قدرها 18 مليار دولار.
أما شركة فورد، التي لازالت تتمتع بهيكل مالي أفضل، فطلبت قرضًا قيمته 9 مليارات دولار من الكونجرس.
الشركات الثلاث - الاثنتين السابقين بالإضافة إلى "كرايسلر"، التي أمست على وشك الإفلاس وتحتاج نحو أربعة مليارات دولار بحلول نهاية مارس كجزء من سبعة مليارات لإنقاذ عملها - لم تتلق في النهاية سوى وعدًا بتلقي هذه المساعدات بحلول 2012!

عهد الإرهاب


فرانت لاين، 19 ديسمبر 2008

ترجمة: علاء البشبيشي

"هجمات لم تخمد أوارها إلا بعد 60 ساعة من إطلاقها، بل يرى البعض أن جذوتها لم تنطفئ حتى الآن. ورغم مشاركة 477 من أفراد الأمن القومي، ووحدة من أفراد الكوماندوز التابعين للبحرية الهندية، وستة صفوف من الجيش، و400 من أفراد شرطة مومباي، نجحوا في قتل أو اعتقال كل المسلحين الذين نفذوا الهجمات، إلا أن مومباي بالفعل جثت على ركبتيها".
وصف دقيق أطلقته مجلة فرانت لاين على الأحداث الدموية التي شهدتها مدينة مومباي الهندية مؤخرًا، والتي أدانها المسلمون في الهند قبل غيرهم، وجعلت العيد يمر عليهم بغير الوجه الذي اعتادوا عليه من قبل.
بدأت في تمام الساعة التاسعة مساء يوم 26 من نوفمبر، وانتهت بعد معركة طويلة ومجهدة، في تمام الساعة الثامنة والنصف من صباح يوم 29 من نفس الشهر. فيما وصف بأنه أسوأ هجوم تعرضت له الهند، نجح بضعة مسلحين في جعل مومباي تجثو على ركبتيها. وقد خلفت هذه الدراما الدموية، التي استهدفت 11 موقعًا في المدينة، 183 قتيلا، من بينهم 22 أجنبيًا. وبعد مضي 12 ساعة، كان قصر تاج محل، وفندق البرج، لا يزالان يحترقان، والجثث تستخرج منهما.
أعداد القتلى كانت مرشحة للارتفاع، وكان على عملية تغطية الجثث أن تتم ببطء وحذر.
وبحسب آخر التقديرات فقد جرح 239 شخصًا، وعثر على جثث 9 من منفذي الهجمات، وتم اعتقال آخر على قيد الحياة، ومن المتوقع أن تكون عملية استجوابه حاسمة في كشف اللثام عن مهندسي هذه المذبحة، وكيف ولماذا أقدموا على هذا الفعل. وتشتبه الشرطة في أن بعض المهاجمين ربما قد يكونون استطاعوا الفرار، لكنها لم تؤكد ذلك بعد. ولدقة وصولهم لأهدافهم، يبدو جليًا أن المهاجمين كانوا على دراية وثيقة بالمدينة.
هذه الحادثة برمتها تركت المدينة والدولة بل والمجتمع الدولي في ترنح من هول ما رأوه.

الصين والهند: قصة اقتصادين في مهب الريح


ذي إيكونوميست، 13 ديسمبر 2008

ترجمة: علاء البشبيشي


بعد تأكيدها مرات عديدة أن الهند والصين يشقان طريقهما إلى القمة، أتت مجلة ذي إيكونوميست اليوم لتقول: "إن العملاقين الآسيويين يرتجفان؛ والاقتصادَ الهندي أضحى أضعف من ذي قبل، والقادة الصينيين لديهم أسباب أكثر تجعلهم يخافون".
ربما.. فالدنيا لا تبقى على حال، لكن ما الذي جعل الطاولة تنقلب هكذا؟ هذا ما أجابت عنه الأسبوعية البريطانية في موضوع غلافها الأخير.
السرعة التي انتشرت بها سُحُب الظُلمة واليأس الاقتصاديين في سماء الاقتصاد العالمي كانت مذهلة. لكن التغيير كان مفاجئًا خاصة في الدولتين الشهيرتين؛ الهند والصين. فحتى وقت قريب كانا هذان (الاقتصادان) الأسرع نموًا في العالم يشعران بأنهما منيعان إلى حد كبير ضد العدوى التي تجتاح العالم الغني. بل كان المتفائلون يأملون أن تستطيع محركات أسواق هذه الدول الناشئة في انتشال العالم من مستنقع الركود. والآن يخشى البعض من حدوث النقيض! يخافون أن يسحب انخفاض النشاط التجاري والاقتصادي في العالم الصين والهند إلى الهاوية؛ الأمر الذي من شأنه رفع معدلات البطالة في هذين البلدين اللذين مازالا فقيرين رغم النجاح الذي حققاه.
ربما يكون التشاؤم زائدًا عن حده، فلا تزال هاتان الدولتان تمثلان العمود الفقري للاقتصاد العالمي، لكنهما في الوقت ذاته تواجهان صعوبات اقتصادية وسياسية مخيفة.
ثم استطردت المجلة لتستعرض وضع الهند الداخلي، موضحة أن الفيل الهندي أضحى الآن أسيرًا بين مطرقة التدهور الاقتصادي، وسندان العمليات المسلحة التي ضربت البلاد مؤخرًا، الأمر الذي أثمر تراجعًا – بحسب تقديرات المجلة – في مكانة الهند الدولية، وصورتها على مستوى العالم. مستدلة على ذلك بالأرقام التي لا يمكنها يومًا أن تكذب أو حتى تتجمل.
على الصعيد الهندي، تضررت صورتها بشكل كبير، إثر إعصارين اثنين؛ أولهما: اللطمة الاقتصادية، وثانيهما: رصاص المسلحين الذي أمطرته سماء مومباي الشهر الفائت، خاصة بعدما أظهرت التقارير أن الهند تستمد ثقتها في نفسها من مصدرين اثنين لا ثالث لهما؛ الأول هو تدفق النمو الاقتصادي، والثاني كان التأثير المصاحب الذي تمثل في بروز الهند كدولة ذات مكانة وتأثير دوليين.
كما انخفض معدل الصادرات في شهر أكتوبر الماضي بواقع 12% مقارنة بمعدلات نفس الشهر العام الماضي، وفيها يوجد خمسي الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في العالم، فيما توقفت مئات مصانع النسيج عن العمل، من بينها بعض النجوم الذين سطعوا في سماء صناعة السيارات الهندية خلال السنوات المنصرمة. أما البنك المركزي فعدَّل تقديرات نموه الاقتصادي هذا العام ليصل إلى 7,5 – 8 %، وهي النسبة التي لا تزال تستدعي التفاؤل - لولا التوقعات – في أن يستمر معدل النمو الاقتصادي بالانخفاض خلال العام القادم ليصل إلى 5,5% أو أقل، وهو أقل معدل تشهه البلاد من العام 2002.
ربما تكون هذه الأرقام صادمة للبعض، لكنه الواقع الذي تخشى المجلة أن يمتد إلى الصين، ومن ثم يؤثر على العالم بأسره.
ورغم حيادية المجلة في بعض طرحها، إلا أن نبرة الهجوم على الصين تبرز من بين ثنايا الكلمات، لاسيما عند عدم اعترافها بأن الصين حققت خلال سنوات قلائل ما لم تستطع أي دولة أخرى تحقيقه خلال قرون، ومتوقفة فقط أمام معدلات الفقر التي تراها مؤشرًا على فشل الصين خلال السنوات الستين الماضية!
وإذا ما قُدِّر للاقتصاد الصيني أن ينحدر لمثل هذا المستوى، فسيعتبر الأمر كارثة على الصعيدين الداخلي والخارجي.
يأتي ذلك في الوقت الذي تحتفل فيه الصين بالذكرى الثلاثين لإطلاق سياسة (الإصلاح والانفتاح)، التي دشنت لمرحلة جديدة من النمو الاقتصادي وصلت معدلات النمو السنوي فيها إلى 9,8%. وربما تكون هذه الاحتفالية زائفة، لكن من السهل تفهُّم الأسباب التي تجعل الحزب الشيوعي الحاكم يرغب في تضخيم إنجازاته التي حققها طيلة الثلاثين عامًا الماضية.
هذه الدولة التي يبلغ تعداد سكانها خُمس البشرية، لم تنجح سوى في انتشال مائتي مليون فقط من مستنقع الفقر. وهاهي الآن تدخل عامًا مليئًا بالذكريات، إنها الذكرى الخمسون لقمع انتفاضة التبت، والذكرى العشرون لأحداث ميدان باب السلام السماوي (تيان آن مين)، والذكرى العشرون لتأسيس الجمهورية الشعبية.

عـقــيــدة مــيـدفـيــديـف


نيوزويك، 2 ديسمبر 2008


بعد ستة أشهر من تسلمه منصبه في الكرملين، لازالت الإشارات التي يرسلها الرئيس الروسي مشوشة جدا، إلى درجة أنه أثار حيرة صانعي السياسات والدبلوماسيين الغربيين، ودفع أسبوعية نيوزويك إلى التساؤل: (ماذا يريد ديميتري ميدفيديف بالضبط؟).
عقيدة ميدفيديف، كما تراها المجلة لأميركية، هي بمنزلة خطة طموحة لإصلاح المجتمع الروسي المحطم في الداخل، واستعادة مكانة روسيا في العالم. ويعتبر ميدفيديف أن إحدى الطرق للقيام بذلك هي أن يجري على الأقل استبدالُ بعض من التأثير الأمريكي في أوروبا بتأثير روسي؛ من خلال مزيج من التهديدات العسكرية واستعمال احتياطي الغاز الضخم الذي تملكه روسيا لممارسة الضغوط.
من الواضح أن أهداف ميدفيديف، الطموحة إلى حد كبير، تطورت انطلاقا من الخطة التي وضعها بوتين منذ وقت طويل؛ وتهدف إلى استعادة عظمة روسيا، في الداخل والخارج. وهذا ليس مفاجئا بما أن بوتين لا يزال يقود روسيا من المقعد الخلفي انطلاقا من منصبه كرئيس للوزراء، ومن المتوقع على نطاق واسع أن يعود إلى الرئاسة بعد انقضاء فترة مقبولة.
لكن هناك اختلافات واضحة بين الرجلين؛ فقد كان بوتين يستعمل لغة الديموقراطية والليبرالية عندما تناسبه، كي يساوي أخلاقيا - على سبيل المثال - بين التصرفات الأمريكية في كوسوفا والعراق والسياسة الروسية في جورجيا. أما ميدفيديف، وهو محام ترعرع في ساينت بيترسبرغ الليبرالية في حقبة الانفتاح والشفافية، فقد تبنى أسلوبا أكثر انفتاحا وعصرية.
ولعل الأهم على الإطلاق هو أن ميدفيديف يعي تماما المشاكل التي تواجهها روسيا، ولا يخشى التحدث عنها.
في عهد بوتين، ظل النمو الاقتصادي السنوي ثابتا عند حدود 7 بالمائة، بفضل ارتفاع أسعار النفط التي تضخ الدم في عروق الاقتصاد الروسي. لكن بدا أن بوتين لا يهتم كثيرا بتنويع الاقتصاد أو كبح الفساد الذي يجعل ريادة الأعمال مستحيلة، بل ومحفوفة بالمخاطر. في المقابل، كانت إحدى أبرز الخصائص في خطب ميدفيديف انتقاداته الجريئة للقضاء والبيروقراطية الفاسدَيْن في روسيا، مع العلم بأنه يتوخى دائما الحذر الشديد كي لا يوحي أبدا بأن بوتين أخطأ عندما لم يعالج هذه المشاكل في وقت سابق. وقد ألقى ميدفيديف في خطبه اللوم على البيروقراطيين؛ لأنهم "يشككون في المبادرة الحرة تماما كما كانوا يفعلون في ظل النظام السوفييتي"، ولأنهم يتحكمون في وسائل الإعلام ويتدخلون في الانتخابات، وقد يبدو غريبا أن يصدر مثل هذا الكلام عن شخص أفاد كثيرا من سيطرة الدولة على الصحافة وصناديق الاقتراع على السواء، لكنه انتقاد حاد لمكامن الخلل في روسيا.
وفي العلاقات الخارجية، حرص ميدفيديف على تفادي الظهور وكأنه أضعف من بوتين. فقد كان الأخير يتحدث في عهده عن "عالم متعدد الأقطاب"، لكن في عهد ميدفيديف، وضعت روسيا يدها على القانون الدولي وتقدمت الدبابات الروسية نحو أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وبذلك أعاد الكرملين ضمنا تأكيد حق روسيا الإمبريالي بأن تصنع - وتبتلع - دولا من خلال الاعتراف بالجمهوريات الجورجية المنفصلة.
لكن على الرغم من الكلام الكبير الذي يطلقه ميدفيديف، ترى المجلة أنه ليس واضحا على الإطلاق ما إذا كان بالإمكان تحقيق أي من أهدافه الاستراتيجية الكبرى، فنظرا إلى الاستياء الشديد من الغرب وعدم الثقة به، ليست لدى ميدفيديف نماذج كثيرة يستطيع أن يقتدي بها في سعيه إلى تحقيق أهدافه الاقتصادية. وتختصر المجلة ذلك بقولها: "لقد قال ميدفيديف كلاما جيدا، لكن لم تكن هناك متابعة ملموسة"، مستدلة بما أسمته "الوضع المحرج" الذي يحياه ميدفيديف الآن؛ فالطموحات التي بدأ بها رئاسته لم تعد تتناسب مع واقع الوضع الروسي الذي يزداد هشاشة.
بالتأكيد ليست هناك أي ناحية إيجابية في نبذ روسيا جملة وتفصيلا، وإذلالها ومعاملتها وكأنها دب من ورق. ففي حقبة تشهد تراجعا في أسعار النفط ومحنة اقتصادية، تجد روسيا نفسها في مأزق فجأة، وسوف يواجه ميدفيديف قريبا إغراء السيطرة على الاقتصاد الروسي وقمعه، وتثبيت الأسعار، وتهديد رجال الأعمال، وتوجيه تدفق الرساميل. وقد تراوده نفسه أيضا بأن يكرر مغامرته العسكرية في جورجيا لإلهاء الرأي العام عن الوضع الداخلي الذي يزداد سوءا، وربما يقع شجار مع أوكرانيا حول كريميا، ومن شأن الأمرين أن يكونا كارثييْن.
لا يستطيع ميدفيديف أن يصلح العالم على صورة الكرملين، وعلى الأرجح أنه لن تصمد سوى أجزاء قليلة جدا من عقيدته في وجه الانكماش الاقتصادي الروسي. لكن يبدو على الأقل أنه يؤمن فعلا بأن "الحرية أفضل من اللاحرية"، وربما يبذل مجهودا أكبر من أي قائد روسي سابق لدمج البلاد في الاقتصاد العالمي، ووضع حد لما أسماه "العدمية القانونية" التي تتفشى في بلاده. إذا نجح في هذه الإصلاحات العملية مثل كبح البيروقراطية النهمة والفاسدة في روسيا وتطبيق سيادة القانون، فقد يجعل بلاده أكثر ثراءً ويسمح لها بأن تعمل بفعالية أكبر. من شأن اقتصاد حقيقي مزدهر وعلاقة جديدة وبناءة مع الغرب أن يجعلا روسيا تتمتع بنفوذ حقيقي أكبر مما توفره لها كل التهديدات الاستقوائية باستعمال الصواريخ.

كوكب أوباما



ذي أميركان كونسرفيتيف، 1 ديسمبر 2008

ترجمة: علاء البشبيشي


سنوات بوش التي أفقدت أميركا سمعتها لا يمكن مقارنتها بشيء، لكن وعود الرئيس المنتخب الجديد بالتغيير لم تتعد الرمزية.. قناعة عبرت عنها مجلة ذا أميركان كونسرفيتيف في صدر موضوع غلافها الأخير، والذي خصصته لطرح رؤيتها حول "عالم أوباما" المرتقب.
سواء أعجبك ذلك أم لم يعجبك، لقد دشن انتخاب باراك أوباما لرئاسة الولايات المتحدة ضغطًا هائلا لاستعادة الاحترام الأميركي في العالم. ففي نيودلهي قبَّل الهنود صورة أوباما، وخرجت الأحزاب السياسية فرحًا إلى شوارع كينيا، أما في بريطانيا فقد غمرت الفرحة كل الصحف، ونشرت صحيفة ذا ديلي ميرور صورة للرئيس المنتخب، مصحوبة بكلمة واحدة بالخط العريض، كانت تقول "صدق"، حتى السياسيون الذين كان من المتوقع أن ينجذبوا لـ جون ماكين فرحوا لفوز أوباما.
وحينما ذهب إلى برلين توجه أوباما بالخطاب إلى 200 ألف من الجمهور المتحمس، أما لو كان واحدًا من الجمهوريين، فسيكون هناك شك في إمكانية جذب انتباه ولو مائتي شخص فقط.
صحيح أن مناصب كبيرة في أميركا شغلها سود من قبل، لكن منصب الرئاسة له أهمية رمزية تتعدى مجرد الثقل الدستوري، واليوم لن يجرؤ أحد على القول بأن رجلا من أصول أفريقية لن يستطيع الحصول على عدد كبير من الأصوات.
لقد استعاد انتخاب أوباما، حتى الآن، لأميركا بعض احترامها، لكن العداء لهذا البلد أعمق من أسبابه الظاهرة.

البقاء يعني الموت



وورلد، 29 نوفمبر 2008

ترجمة: علاء البشبيشي


(نزح ما يربو على مليوني عراقي من بلادهم ولجئوا إلى بلدان مجاورة؛ بعد أن طُحنوا بين سندان الاحتلال الأمريكي، ومطرقة مليشيات القتل المنظمة).. مأساة إنسانية دفعت مجلة وورلد إلى تسليط الضوء عليها، في ظل معاناة جعلت قرار البقاء في الوطن بمثابة حكم إعدام يصدره المرء على نفسه، على حد وصف المجلة.
لكن وورلد ماجازين لم تكن منصفة تمامًا، بل مارست الفرز الطائفي، حين اختصَّت بالتغطية "مسيحيي العراق" الذين هربوا من الهرْج الذي تموج به بلاد الرافدين، متناسية أن العراقيين أجمعين – مسلمين ونصارى – يشربون من نفس الكأس، ويُلهِب ظهورهم نفس السوط، لاسيما وأنها اعترفت بأن 75% من اللاجئين الذين نزحوا من العراق مسلمون!
نزح ما يربو على مليوني عراقي، 25% منهم مسيحيون (نصارى)، إلى دول مجاورة، حيث توجه معظمهم إلى الأردن وسوريا ولبنان ومصر. ويمكننا القول: من خلال المحادثات التي أجريت مع عراقيين يعيشون في الأردن وسوريا أنهم لا يرغبون في العودة إلى وطنهم.
وبينما قُتل 40 ألف عراقي نتيجة الحرب وعمليات العنف العشوائية منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، فإن هؤلاء اللاجئين هم الضحايا الأحياء لهذه الحرب، بعد أن دُمروا نفسيا.
وفي عام 2007 وحده حصل 1600 عراقي فقط - من أصل ملايين مهددين بالموت - على حق اللجوء إلى الولايات المتحدة الأميركية، مما جعل منظمات حقوق الإنسان تلقي باللائمة على أميركا، متهمة إياها بأن جهودها ليست كافية لحل كارثة اللاجئين، التي شاركت في صنعها.
وفي العام 2008 زاد عدد الذين مُنحوا حق اللجوء، فوصل إلى 12 ألفا، بعدما وافقت وزارة الخارجية الأميركية، ووزارة الأمن القومي على قبول بعض الحالات الخاصة الإضافية. لكن هذا العدد لا يزال قاصرًا عن مساعدة العراقيين، خاصة وأن العراقيين في دول الجوار يعيشون حالة مؤقتة، لا تمكنهم من إيجاد وظائف يتكسبون منها قوت يومهم، أو يدفعون منها إيجار السكن وغيره من متطلبات الحياة الضرورية.

الوضع المزري للرعاية الصحية الأميركية


تايم 2 ديسمبر 2008
ترجمة: علاء البشبيشي


"أميركا تخوض المعركة الخاطئة.. فالجبهة الأولى التي من المفترض أن تقاتل عليها الآن، هي في الداخل الأميركي، وليس بعيدًا هناك في العراق وأفغانستان".. هذه خلاصة ما توصلت إليه مجلة تايم الأمريكية في موضوع غلافها الأخير، الذي كشفت فيه عن المستوى المتدني للرعاية الصحية الأميركية، الذي يعتبر مستوى جودته "أقل بكثير من مثيلاته في الدول المتقدمة".
وترى المجلة أن "المشكلة الكبرى لنظام الرعاية الصحية الأميركي تكمن في أن هدفه كان لفترة طويلة علاج الأمراض وليس الوقاية منها". كما حذر "صندوق الكومنولث" الأميركي من أن المواطنين الأميركيين المصابين بأمراض مزمنة قد يستحيل عليهم الحصول على الرعاية الصحية المطلوبة؛ بسبب ارتفاع كلفتها الباهظة، وتاليا قد يتعرضون لأخطاء طبية أكثر من نظرائهم في دول أخرى أقل ثراءً، مؤكدًا أن الأميركيين هم الأكثر تذمرا من كلفة الرعاية الصحية.
ما هو المقياس الذي تُقاس به جودة النظام الصحي في بلد ما؟ وكيف يمكنك قياس درجة حرارة أناس ينتشرون في تسع مناطق زمنية مختلفة، داخل 50 ولاية، في لوحة أشبه ما تكون بقوس قزح من الثقافات والطوائف؟
إحدى الوسائل التي تستطيع من خلالها القيام بذلك هي أن تنظر لنفسك عن قرب؛ فإذا كنت من السبعة والستين بالمائة من الأميركيين فهذا يعني أنك حاليًا تعاني من السمنة المفرطة، وإذا كنت من السبعة والعشرين بالمائة من الأميركيين فهذا معناه أن ضغط دمك مرتفع جدًا، أما إذا كنت تنتمي للستة والتسعين بالمائة فهذا معناه أنك لا تستطيع تذكر المرة الأخيرة التي تناولت فيها السلطة؛ ذلك لأنك حينها ستكون واحدًا من مئات الملايين من الأميركيين الذين نادرًا ما يتناولون المقدار الكافي من الخضروات، أما إذا كنت من الأربعين في المائة فهذا معناه أن ما تأكله لا يتم استهلاكه كله؛ ذلك أن هذه النسبة لا تقوم بأداء التمارين الرياضية.
وتبقى المشكلة الكبرى إذا كنت أبًا لأي طفل في أي مكان في العالم؛ لأنك ساعتها ستُوَرِّث عاداتك الصحية لابنك، مما يوضح مخاوف الخبراء من أن هذا الجيل من أطفال أمريكا ربما يكون أقصر عمرًا من آبائهم!